وهبة الزحيلي

11

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

والمراد بقوله : إِلَّا لِنَعْلَمَ . . . ظهور العلم بين الناس ووقوعه ، قال علي رضي اللّه عنه : معنى لِنَعْلَمَ : لنرى . والعرب تضع العلم مكان الرؤية ، والرؤية مكان العلم ، كقوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ . . . [ الفيل 105 / 1 ] ، بمعنى ألم تعلم . وقوله : وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً أي وإن كانت القبلة المحوّلة شاقة ثقيلة على من ألف التوجّه إلى القبلة الأولى ، أو هذه الفعلة أي التحويلة وهي صرف التوجه عن بيت المقدس إلى الكعبة ، فإن الإنسان ألوف لما يتعوده ، إلا على الذين هداهم اللّه بمعرفة أحكام دينه وسرّ تشريعه ، ووفقهم لما يريد ، فعلموا أن المطلوب طاعة اللّه حيثما شاء ، وأن الحكمة في اختيار قبلة ما : هو اجتماع الأمة عليها ، وتوحيد مشاعرهم نحوها ، مما يدفعهم إلى اتّحادهم وجمع كلمتهم في كل شؤون حياتهم : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ، فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ [ التوبة 9 / 124 - 125 ] . وقوله : وَما كانَ اللَّهُ . . أي وما كانت حكمة اللّه ورحمته تقضي بإضاعة ثباتكم على الإيمان واتباعكم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في الصلاة وفي القبلة ، وأن اللّه يجزيكم الجزاء الأوفى ، ولا يضيع أجركم ، والسبب في ذلك أن اللّه رؤوف بعباده ، ذو رحمة واسعة بخلقه ، فلا يضيع عمل عامل منهم ، ولا يكون ابتلاؤهم لمعرفة صدق إيمانهم وإخلاصهم سببا في إضاعة ثمرات الإيمان وتفويت الجزاء ، بل يجازيهم أتمّ جزاء . وقد اتّفق العلماء على أن آية وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ نزلت فيمن مات ، وهو يصلي إلى بيت المقدس ، كما ثبت في البخاري عن البراء بن عازب ، على ما تقدم في بيان سبب النزول . وخرّج الترمذي عن ابن عباس قال : لما وجه النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الكعبة قالوا : يا رسول اللّه ، كيف بإخواننا الذين ماتوا ، وهم